السيد الطباطبائي

367

تفسير الميزان

ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا " ( نوح : 28 ) وقول إبراهيم : " ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب " ( إبراهيم : 41 ) وقول موسى لنفسه وأخيه : " رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك " ( الأعراف : 151 ) وما حكى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " ( البقرة : 285 ) . فإن الأنبياء عليهم السلام مع عصمتهم لا يتأتى أن تصدر عنهم المعصية ، ويقترفوا الذنب بمعنى مخالفة مادة من المواد الدينية التي هم المرسلون للدعوة إليها ، والقائمون قولا وفعلا بالتبليغ لها ، والمفترض طاعتهم من عند الله ، ولا معنى لافتراض طاعة من لا يؤمن وقوع المعصية منه ، تعالى الله عن ذلك . وهكذا يحمل على هذا الباب ما حكى عن بعضهم عليهم السلام من الاعتراف بالظلم ونحوه كقول ذي النون : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ( الأنبياء : 87 ) إذ كما يجوز عدهم بعض الأعمال المباحة الصادرة عنهم ذنبا لأنفسهم وطلب المغفرة من الله سبحانه ، كذلك يجوز عده ظلما من أنفسهم لان كل ذنب ظلم . وقد مر أن هنالك محملا آخر وهو أن يكون المراد بالظلم هو الظلم على النفس كما في قول آدم وزوجته : " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " ( الأعراف : 23 ) . وإياك أن تتوهم أن معنى قولنا في آية : إن لها محملا كذا ومحملا كذا هو تسليم أن ذلك من خلاف ظاهر الكلام ثم الاجتهاد في اختلاف معنى يحمل عليه الكلام ، وتطبق عليه الآيات القرآنية تحفظا على الآراء المذهبية ، واضطرارا من قبل التعصب . وقد تقدم البحث الحر في عصمة الأنبياء عليهم السلام بالتدبر في الآيات أنفسها من غير اعتماد على المقدمات الغريبة الأجنبية في الجزء الثاني من الكتاب . وقد بينا هناك وفي غيره أن ظاهر الكلام لا يقتصر في تشخيصه على الفهم العامي المتعلق بنفس الجملة المبحوث عنها بل للقرائن المقامية والكلامية المتصلة والمنفصلة - كالآية المتعرضة لمعنى آية أخرى - تأثير قاطع في الظواهر ، وخاصة في الكلام الإلهي الذي بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، ويصدق بعضه بعضا .